التبرير المسبق

708

وتلك الصورة القبيحة لمسوخ مشوهين لا يرون غضاضة في أي شيء ولا يستنكفون عن التبرير المسبق لأي شيء ولا يتوقفون أبدا عن التوقيع على بياض والبصم بأصابع اليدين وربما القدمين تصديقا وإقرارا لكل شيء  لم تبرز إلى السطح فجأة ولم تنبت من العدم
عليك ألا تنظر إلى الصورة بشكلها الحالي ولكن تأمل الأصول والجذور ابتداءً لعلك تدرك كيف صاروا إلى هذا الحال الممسوخ انتهاءً
لقد قيل قديما: إن آفة الرأي الهوى
وإن قوما قرروا في أول الأمر أن يطمسوا أبصارهم ويسدلوا أستارا معتمة على بصائرهم فلم يروا الحقائق الصارخة ولم يلحظوا بوارق الشرور الخاطفة لا لشيء إلا ليرضوا أهواءهم المعوجة ويشبعوا مشاعرهم الخبيثة حريٌ بهم بعد حين أن يفقدوا حواسهم قصرا بعد أن عطلوها طوعا فصاروا كالأصم الضرير لا يدري إلى أين يذهب به من يسحبه ولا يملك أن يناقش مسالكه أو وجهته
فقط يتبعه على أمل أن يوصله بعد برهة لبر الأمان
ربما يعثر في حجر مرة
وربما تسقط قدمه في حفرة مرة
وربما يخترق الشوك قدمه مرة وتمزق الأغصان سراويله مرات
لكنه في كل مرة لا يصدق – أو لا يريد أن يصدق – أن قراره كان خاطئا ابتداءً وأنه ما كان ينبغي له أن يتخلى عن حواس أبدعها الباريء فيه وأحسن صورها وما كان له أن يفرط في خصائص كانت لتقيه من كثير مما يلاقي لكنه نبذها مختارا لأجل ثقة في غير محلها
هو لا يصدق – أو لا يريد أن يصدق – أن هذا ليس الطريق الموصل لمبتغاه وأن لن يناله منه إلا مس الأذى الذي يذوق في كل خطوة يخطوها ويلاته ويتجرع آلامه وإيلامه
لكنه مع ذلك وفي كل مرة يتذكر قراره الأول فيستنكف ويستكبر عن التراجع أو حتى التوقف وإعادة التفكير والنظر إن كان قد تبقى ما يصح أن يسمى نظر
لا فائدة
لقد اتُخذ القرار واتُبع وأُطيع الهوى
فلتُبَرَر إذاً كل عثرة ولتُستخرَج الحكم الباهرة من كل سقطة ولتظل صكوك الثقة المطلقة والتوقيع على بياض هي الشعار والمبدأ للنهاية كما كانت مستقرة هنالك
منذ البداية